مصر تبدأ تنفيذ مشروع “مقبرة الخالدين”.. صرح جديد لتخليد عظماء الوطن
تحرص الحكومة المصرية على الحفاظ على التاريخ العريق للقاهرة القديمة والحرص على عدم تدميره أو تعرضه لأي خطر، وفي إطار تقدير الرموز التاريخية العريقة، أعلن رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي عن بدء تنفيذ مشروع مقبرة الخالدين لتحويل المدافن التقليدية إلى متحف مفتوح في إطار تنفيذ توجيهات رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، على غرار مقبرة باير لاشيز بالعاصمة الفرنسية باريس، التي تضم رفات الحياة الأدبية والفنية والسياسية في باريس على مدار 200 عام، وتعد هذه المقبرة هي الأكثر إقبالًا في العالم، وسوف يقوم فريق بوابة العربي التقنية بعرض تفاصيل الأمر في السطور التالية.
مشروع مقبرة الخالدين للحفاظ على عظماء مصر
أمر الرئيس السيسي بتشكيل لجنة تحت إشراف الدكتور مدبولي تضم كافة الجهات المختصة المعنية والأثريين والمكاتب الاستشارية الهندسية، لتتولى مسؤولية وتنفيذ والإشراف على نقل المقابر الموجودة بالسيدة نفيسة والإمام الشافعي، ودراسة طرق التعامل مع حالات الضرورة لنقل الُرفات إلى مخطط التطوير، وتم اقتباس فكرة مقبرة الخالدين في مصر من مثيلتها الموجودة في فرنسا التي تُسمي مقبرة العظماء (البانتيون)، تجمع داخلها رفات أهم الشخصيات التاريخية الفرنسية، وتوجد في الحي اللاتيني بباريس، وقد تم بناءها في الأصل ككنيسة مخصصة للقديس جينيفيف، لكن بعدما تعرض الملك لويس الخامس عشر للمرض، تعهد بأنه إذا تعافى من المرض، سيقوم بتشييد مبنى مميز يليق بذلك القديس.
لذا قد تم بناء المقبرة مقبرة البانتيون عام 1758م، لكنها استغرقت وقت طويل، إذ تمت ببطء، وذلك نتيجة الأحداث السياسية التي مرت بها فرنسا، وشهد المبنى قيام الثورة الفرنسية عام 1789، وأخيرًا تم الانتهاء من تشييد المبنى عام 1890، وقد صممه جاك جيرمان ويطل المبنى على كافة أرجاء باريس، ويجمع بين خفة وسطوع الكاتدرائية القوطية مع المبادئ الكلاسيكية.

حل عمراني لإنقاذ الذاكرة الوطنية
ظهر المبني كمقبرة لأبرز الشخصيات الفرنسية بعد قيام الثورة الفرنسية، وكان البانتيون أول المدفونين به عام 1894، وبعدها تم نقل رُفات الفيلسوف فولتير إلى المقبرة في نفس العام، يليهم ماري كوري عام 1995، وهي أول امرأة ينقل رفاتها إلى مقبرة العظماء، وقد تم نقل رُفات العديد من الشخصيات البارزة في المجتمع الفرنسي منهم، جان جاك روسو، وهو أحد منظري العقد الاجتماعي، وتم نقل رفاته عام 1794، وقد تم دفن الأديب فيكتور هوجو بالمقبرة في 1885.
مقترحات عن مكان إنشاء مقبرة الخالدين
يتساءل الكثير عن مكان تنفيذ مقبرة الخالدين، لكن لاتزال العديد من المعلومات غير واضحة بالنسبة لشكل وموقع المقبرة، لكن هناك اقتراح يفيد ببنائه في الجبانة المنسية امتداد للمصريين القدماء والتي تمتد من أبو رواش حتى بني سويف، أو دراسة إمكانية إنشائها في العاصمة الإدارية الجديدة باعتبارها مكان جديد، وقد طالب المصممون العاملون على مشروع إقامة مقبرة الخالدين، ضرورة النظر والتعمق في التاريخ، خاصة وأن هناك عدد من الأساتذة المشهورين في هذا المجال بالإضافة إلى الكتب ورسائل الماجستير التي تناولت الحديث عن هذه الجبانات والشخصيات المدفونة فيها، وهذا الأمر يؤكد على أهمية الدراسة المتعمقة للمشروع قبل الشروع في تنفيذ مقبرة الخالدين.
كما أكد خبير الآثار المصرية وعضو اتحاد الأثريين الدكتور علي أبو دشيش على قرار الرئيس عبد الفتاح السيسي على ضرورة وأهمية إنشاء مقابر للخالدين باعتبارهم رموز عظيمة في الدولة المصرية، وأكد أنه يجب على القيادة السياسية أن تحترم العلماء والمفكرين وكل من قام بإنجاز مهمة عظيمة في الدولة في كافة المجالات، ومن المفترض أن تصبح مقابر الخالدين مكانا سياحيا عظيما في الدولة، لذا شدد أبو دشيش على ضرورة الحرص على كتابة سيرة ذاتية مختصرة عن كافة الرموز المصرية البارزة وأن هذه فرصة ذهبية ليتوافد إليه الزائرين من كافة أنحاء العالم للتعرف على الرموز المصرية.
إنشاء مقابر الخالدين في العالم
جاءت فكرة إنشاء مقابر الخالدين في العالم من الرغبة في تخليد ذكرى عدد من الشخصيات التاريخية، التي كان لها دور كبير ومؤثر في تاريخ الأمم من الأدباء والمفكرين والسياسيين، وقد جاءت الفكرة في فرنسا وبعدها انتقلت إلى العديد من الدول في العالم، ويوجد 4 مقابر في العالم، هما: مقبرة العظماء ومقبرة مونمارتر، مقبرة بير لاشيز وقد تصل مساحتها إلى 118.6 فدان، وتعد هذه المقابر من أكثر المقابر زيارة في العالم، وقد تم دفن أعلام الحياة السياسية والفنية والأدبية على مدار 200 عام في فرنسا، وتضم مقبرة هوليود فوريفر سيمتري رفات أشهر فنانين هوليود وقد تم دَفن جودي جارلاند وسيسيل بي ديميل ورودولف فالنتينو بها، وتأسست مقبرة لوس أنجلوس عام 1877 رفات عدد كبير من المشاهير في مدينة الأمريكية وقد تم إقامتها على 67 فدان.

تصوير مقبرة الخالدين في مصر
أشار عضو المجلس الأعلى للثقافة لجنة التاريخ والآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان على أهمية الزيارة التي قام بها رئيس مجلس الوزراء لمنطقة المقابر بصلاح سالم، بعد توجيهات الرئيس السيسي على أهمية اختيار مكان مناسب وجيد لمقبرة الخالدين لتكون صرح عظيم يضم رفات أبرز شخصيات وعظماء مصر الذين لهم دور في رفعة الوطن، وتتضمن المقبرة متحف الأعمال الأثرية والفنية الموجودة في المقابر حاليًا، ويتم نقل الرُفات عبر المتخصصين والخبراء، ويشمل المتحف السيرة الذاتية لعظماء الوطن، ويأتي هذا الصرح شاهد على تكريم وتعظيم مكانة أبنائها العظماء، وتضم كل مقبرة متحف خاص ملحق بها يحتوي على مقتنيات المقبرة نفسها وكذلك المقتنيات التي يتبرع بها الأهل لصاحب المقبرة من كتب وأدوات شخصية وكذلك أوسمة ونياشين وجوائز وغير ذلك من المقتنيات المتحفية، كما يتم عرض المقابر بمقتنياتها بتقنية البعد الثلاثي، على غرار القبة السماوية الموجودة في مكتبة الإسكندرية، وتعد هذه المقابر كمزار على خارطة السياحة الدولية والمحلية والإقليمية.
أهمية مقابر الخالدين
يرى البعض أن مقابر الخالدين تُعد طراز معماري فريد من عمارة المدافن والأضرحة، وتتضمن المقابر العديد من التحف الفنية على شاهد قبر بالخط الكوفي، في القرن الثالث الميلادي، الثالث الهجري، كما عُثر على بئر بميدان السيدة عائشة ومواسير فخارية يرجع تاريخه إلى العصر المملوكي بداية من القرن 13 إلى 16 ميلادي، وتأتي هذه المقابر واحدة من أقدم مدن التراث الحي المستعمل حتى الآن، وتعد هذه المقابر جزء لا يتجزأ من ذاكرة الدولة الوطنية، لأن هدم المقابر يضيع معيار التواصل الحضاري.





