اخبار التكنولوجيا

Thaura.. نموذج ذكاء اصطناعي عربي يراهن على الخصوصية والقيم والاستدامة التقنية

في ظل السباق العالمي المحموم لتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، تبرز مبادرات عربية تحاول تقديم رؤية بديلة لا تركز فقط على الأداء التقني، بل تمتد إلى القيم الأخلاقية وحماية الخصوصية والاستدامة البيئية. ومن بين هذه المبادرات، تأتي منصة Thaura (ثورة) بوصفها مشروعًا عربيًا مستقلًا يسعى إلى إعادة تعريف كيفية بناء أدوات الذكاء الاصطناعي لخدمة المستخدم العربي بعيدًا عن هيمنة الشركات التقنية الكبرى.

قصة إنسانية وراء مشروع تقني

أطلق منصة Thaura الشقيقان السوريان هاني وسعيد الشهابي من ألمانيا، في تجربة تجمع بين الطموح التقني والدافع الإنساني. لم تنطلق الفكرة من مختبر جامعي أو شركة عملاقة، بل من تجربة شخصية عاشها المؤسسان بين وطن أنهكته الحرب وبيئة أوروبية متقدمة أتاحت لهما فرص العمل والاستقرار، عمل الشقيقان في شركات تقنية ألمانية كبرى، لكن النجاح المهني لم يكن كافيًا لإشباع إحساسهما بالمسؤولية تجاه المجتمعات العربية، خاصة في ظل الأزمات والصراعات التي شهدتها المنطقة. ومع الحديث عن إعادة الإعمار في سوريا بعد عام 2024، قررا ترك وظائفهما المستقرة والانطلاق في مشروع يهدف إلى خدمة المستخدم العربي عبر منصة ذكاء اصطناعي مستقلة.

فجوة في المشهد العربي للذكاء الاصطناعي

يشير مؤسسو Thaura إلى وجود فجوة كبيرة في مجال النماذج اللغوية العربية، حيث يعتمد المستخدم العربي بشكل شبه كامل على أنظمة تُطوَّر خارج السياق الثقافي والاجتماعي المحلي. ولا تكمن المشكلة في دعم اللغة العربية فقط، بل في غياب أدوات تراعي القيم المحلية وتعمل وفق أولويات المستخدمين وليس وفق مصالح الشركات التجارية، اختار المؤسسان اسم “ثورة” ليعكس الطموح في إحداث تغيير جذري في طريقة امتلاك أدوات المعرفة الرقمية وبناء ذكاء اصطناعي أقرب إلى الثقافة العربية وأكثر احترامًا لخصوصية المستخدمين.

Thaura
Thaura

البنية التقنية لنموذج Thaura

تقنيًا، تعتمد منصة Thaura على نموذج لغوي مفتوح المصدر يُعرف باسم GLM-4.5 Air، وهو نموذج يحتوي على أكثر من 100 مليار معيار. لكن المنصة تفعل نحو 12 مليار معيار فقط لكل استعلام، ما يقلل استهلاك الطاقة والقوة الحوسبية مقارنة بالنماذج التي تستخدم كامل قدراتها في كل طلب، ويعد هذا النهج جزءًا من استراتيجية المنصة لتحقيق كفاءة أعلى وتقليل الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي، وهي قضية أصبحت محط جدل عالمي بسبب استهلاك مراكز البيانات للطاقة، كما بنى الفريق طبقة مخصصة لتحسين أداء النموذج باللغة العربية، مع أدوات داخلية للتحقق من الإجابات وتقليل الأخطاء، بهدف تقديم معلومات موثوقة قدر الإمكان.

الخصوصية في صميم التصميم

يؤكد مؤسسو Thaura أن الخصوصية تمثل أحد الأعمدة الأساسية للمشروع. وعلى عكس العديد من منصات الذكاء الاصطناعي التي تستخدم بيانات المستخدمين لأغراض التدريب والتحليل التجاري، لا تعتمد المنصة على محادثات المستخدمين لتطوير النموذج، ويقتصر جمع البيانات على الحد الأدنى الضروري لتشغيل الخدمة، مثل بيانات تسجيل الدخول وسجل المحادثات داخل الحساب. ويجري تطوير المنصة عبر التفاعل مع المجتمع وجمع الاقتراحات بدل تحليل البيانات الشخصية.

استدامة بيئية وتقنية

تركز منصة Thaura على مفهوم الاستدامة عبر استخدام نهج “خليط الخبراء”، الذي يسمح بتفعيل أجزاء محددة من النموذج لكل طلب بدل تشغيل النموذج بالكامل. ويساعد هذا الأسلوب على تقليل استهلاك الطاقة وتحسين كفاءة الأداء بنسبة كبيرة مقارنة بالنماذج التقليدية، ويرى المؤسسون أن البناء فوق نماذج مفتوحة المصدر يقلل الحاجة إلى تدريب نماذج جديدة من الصفر، وهو ما يقلل بدوره من الأثر البيئي الناتج عن عمليات التدريب المكلفة.

استخدامات متعددة للمنصة

يهدف نموذج Thaura إلى خدمة مجالات متعددة تشمل:

  • البحث العلمي
  • صناعة المحتوى الرقمي
  • التعليم والتعلم الذاتي
  • دعم اللغة العربية ولهجاتها
  • تمكين المستخدم العربي من أدوات ذكاء اصطناعي موثوقة

وتُظهر التجارب الأولية قدرة جيدة للنموذج على فهم اللهجات العربية المختلفة دون تدريب خاص لكل لهجة، وهو ما يمثل ميزة مهمة في العالم العربي متعدد اللهجات.

نهج مجتمعي بعيد عن التمويل التقليدي

يتبنى مؤسسو Thaura نهجًا مختلفًا في التمويل، إذ يرفضون الاعتماد على المستثمرين الخارجيين للحفاظ على استقلالية المشروع وعدم خضوعه لمصالح تجارية. ويؤكدون أن هدف المنصة هو خدمة المستخدمين وليس تحقيق أرباح فقط، ويصف الشقيقان المشروع بأنه “مشروع مجتمعي”، حيث يسعيان إلى التعاون مع الجامعات والمؤسسات التقنية والمجتمعات الرقمية لتعزيز الوعي بأهمية بناء بدائل تقنية مستقلة تراعي الخصوصية والقيم الثقافية.

شراكات مستقبلية وتوسيع التأثير

أشار المؤسسون إلى تلقي اهتمام من مؤسسات أكاديمية وجهات تقنية عربية وعالمية، بهدف التعاون في مجالات الخصوصية الرقمية والتقنية المسؤولة. ويرون أن الشراكات المستقبلية ستساعد على نشر المعرفة وتعزيز الوعي بأهمية تنويع المشهد التكنولوجي وبناء أدوات ذكاء اصطناعي أخلاقية.

خطوة عربية نحو ذكاء اصطناعي مستقل

يمثل مشروع Thaura محاولة عربية طموحة لإعادة تعريف كيفية بناء الذكاء الاصطناعي وفق قيم الخصوصية والاستدامة والاستقلالية. وفي وقت تهيمن فيه الشركات العالمية الكبرى على سوق النماذج اللغوية، يبرز هذا المشروع كمبادرة مجتمعية تهدف إلى تمكين المستخدم العربي من أدوات معرفة رقمية تراعي سياقه الثقافي وتحترم بياناته، ومع استمرار تطور المشروع والشراكات المحتملة، قد يشكل نموذج Thaura نواة لحراك عربي أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي المستقل، يسعى إلى تحقيق توازن بين التقدم التقني والمسؤولية الأخلاقية في العصر الرقمي.

Aya Hamdy

أ/ آية حمدي محررة أخبار تهتم برصد الأحداث اليومية وصياغتها بأسلوب مبسط وسلس، وتشارك في متابعة الأخبار العاجلة والتقارير المختلفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى